جلسه ۹
مشروعية السوق الاعتباري الدليل الثاني:التمسك بالدلالة الالتزامية لادلة الامضاء
توضیحات جلسه
مقدمة الدرس: تحرير محل النزاع
الأستاذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
كان الكلام يدور حول مجيء المقيد المنفصل؛ هل يرفع أصل الظهور في الإطلاق، أم أن الظهور يبقى قائماً والذي يرتفع هو حجية الظهور الإطلاقي؟
قلنا إن الصحيح هو ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري والشيخ النائيني (رحمهما الله) من أن القيد المنفصل يرفع أصل الظهور، أي أن الظهور الإطلاقي يرتفع بمجيء القيد المنفصل.
المقدمة الأولى: وحدة الظهور اللفظي وتعدد السياقات
الأستاذ: وهذا الرأي يثبت من خلال مقدمتين. المقدمة الأولى مهمة جداً، وتقول: لو قلنا إن الإطلاق ثابت بالظهور اللفظي -كما هو رأي السيد الروحاني (رحمه الله)- من أن جعل الحكم على لفظ دال على الموضوع يكشف عن أن هذا اللفظ هو تمام الموضوع، وهو المراد الجدي؛ فنحن من خلال ظهور اللفظ يتضح لدينا أن هذا الموضوع هو تمام ما يريده المولى. ففي جعل الحكم في قولنا: ۸۲۲۰;أكرم العالم۸۲۲۱;، جُعل الحكم على ۸۲۲۰;العالم۸۲۲۱;، أي أن تمام موضوع حكمي هو هذا العالم، وهذا هو الإطلاق.
إن هذا التفسير للإطلاق لا يكشف عن تعدد الظواهر بتعدد الأزمنة والمناشئ؛ لوجود قاعدة في باب الألفاظ تنص على أن: ۸۲۲۰;الخطاب الواحد له ظهور واحد۸۲۲۱;، فالظواهر لا تتعدد بتعدد الأزمنة، وهذا الظهور لا يتعدد لا بتعدد الأزمنة ولا بتعدد المناشئ.
والنكتة في ذلك: أن هذا الظهور إنما يتشكل له ظهور ثانٍ في حالة وجود قرينة أخرى غير القرينة الموجودة حال الإنشاء. فإذا تعددت القرائن -كأن تكون لدينا قرينة حال الإنشاء تنعقد بها للخطاب ظهور، ثم نَصَبنا قرينة أخرى- فهنا يمكن أن يتشكل ظهور ثانٍ جديد تبعاً للقرينة. أما في حال عدم وجود قرينة، لا حال الإنشاء ولا في حال تعدد الأزمنة، فلا يتشكل ظهور جديد يغاير الظهور الذي انعقد أولاً.
بناءً على ذلك، فالخطاب الواحد له ظهور واحد. ولا يمكن القول، على سبيل المثال، إن خطاب: ۸۲۲۰;أقيموا الصلاة۸۲۲۱; الظاهر في الوجوب، يتبدل ظهوره في زمان آخر -رغم بقاء الخطاب نفسه وعدم وجود قرينة أخرى- من الوجوب إلى الاستحباب، فهذا أمر غير متصور. فالظهور الواحد يبقى واحداً لا يتنوع ما دامت القرينة حال الإنشاء مفقودة في كافة الأزمنة.
الطالب: هل يعني ذلك أن الظهور لفظي أم معنوي؟
الأستاذ: أحسنت. لا يتعدد الظهور إلا إذا جاءت قرينة أخرى تدل على تعدده، وإلا فإنه يبقى على حاله. ولكن، إذا فسرنا الإطلاق -كما يرى السيد الشهيد (رحمه الله)- بأنه مدلول التزامي للسياق الحالي، فالأمر يختلف.
ومن الواضح معنى السياق الحالي؛ فعبارة ۸۲۲۰;أكرم العالم۸۲۲۱; لها ظهوران: الظهور الأول (الظهور السياقي) يتمثل في أن المتكلم قد بيّن تمام مراده بخطابه. فكل متكلم حينما يقول: ۸۲۲۰;أكرم العالم۸۲۲۱;، فإنه يقصد تمام المراد، ولا يقصد نصف المراد بكلمة ۸۲۲۰;العالم۸۲۲۱; ويترك النصف الآخر ليتكئ على قرينة أخرى. بل المعنى: ۸۲۲۰;إن تمام ما أخبرتكم به هو هذا الذي أريده۸۲۲۱;، وهذا هو الظهور السياقي.
أما المدلول الالتزامي لهذا الذي تم بيانه في ۸۲۲۰;أكرم العالم۸۲۲۱;، فهو الإطلاق. فالإطلاق إذاً هو مدلول التزامي لسياق حالي. والقاعدة تنص على أن: السياق الواحد يتعدد فهمه ويتنوع بتعدد الأزمنة والمناشئ، بخلاف الظهور الذي لا يتنوع.
ولماذا تتنوع السياقات؟ لأن السياق يولد من رحم البيئة التي وُجد فيها. فإن وُجد في بيئة اجتماعية خاصة تشكل سياق معين، وإن وُجد في بيئة اجتماعية أخرى مختلفة تشكل سياق آخر.
على سبيل المثال، في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فالسياق الاجتماعي الذي وُلد فيه مصطلح ۸۲۲۰;المعروف۸۲۲۱; قديماً كان يعني تحقق المعاشرة بالمعروف من خلال توفير أبسط الحاجات. بينما لو نُظر إلى الآية في سياق اجتماعي آخر -كالسياق الاجتماعي المتمدن المعاصر- فقد لا يُكتفى بالمعروف السابق المتمثل في أبسط الحاجات، بل قد يتطلب الأمر تلبية أعقد الحاجات لتتحقق المعاشرة بالمعروف. وعليه، فإن السياق يتنوع ويتعدد، لأنه يولد في ظل ظروف معينة، وكلما اختلفت الظروف اختلفت السياقات.
المقدمة الثانية: التمييز بين المراد الفعلي والمراد الواقعي
الأستاذ: هذه هي المقدمة الأولى. أما المقدمة الثانية، فتقول: إن دأب المتكلم العرفي أو المتشرعي -مع الأخذ بعين الاعتبار ما ذُكر في المقدمة الأولى من تعدد السياقات- أنه تارة يبيّن مراده الفعلي بشخص خطابه، كقوله: ۸۲۲۰;أكرم الفقير۸۲۲۱;، فهنا بيّن المتكلم مراده الفعلي بشخص الخطاب. ولكنه، في الوقت نفسه، يبيّن مراده الواقعي بمجموع خطاباته. ومن المعلوم أن المراد الفعلي أعم من الواقعي والظاهري، والواقعي أعم من الأولي والثانوي.
فكأن المتكلم يقول: ۸۲۲۰;هذا مرادي الفعلي بيّنته بشخص خطابي، أما مرادي الواقعي، فأنا متكلم أعتمد على القرائن المنفصلة، فانتظروا مجموع خطاباتي ليتضح لكم مرادي الواقعي۸۲۲۱;. فالمراد الفعلي يثبت قبل مجيء القرائن المنفصلة بشخص الخطاب، والمراد الواقعي يظهر بمجموع الخطابات.
ولا يُقال إن هذا الأمر غير عرفي، بل هو عرفي تماماً. فأنا قد أتحدث عن مرادي الفعلي الآن، ولكن هل هو المراد الواقعي؟ الجواب: لا، بل يجب انتظار مجموع الخطابات، خصوصاً إذا كان المتكلم يعتمد على القرائن والبيانات المنفصلة لبيان مراداته الواقعية.
فحينما أقول: ۸۲۲۰;الربا حرام۸۲۲۱;، فقد بيّنت مرادي الفعلي. ولكن هل هو مرادي الواقعي؟ يجب الانتظار؛ فإذا جاء لاحقاً خطاب يقول: ۸۲۲۰;لا ربا بين الوالد وولده۸۲۲۱;، يتضح حينها أن مرادي الواقعي ليس مطلق الربا، بل حرمة الربا في غير الوالد وولده، بينما الخطاب الأول كان مراداً فعلياً.
وعليه، نقول في المقدمة الثانية: إن المتكلم الذي يعتمد عادةً على القرائن المنفصلة في تبيين مراداته الواقعية، إذا جاء بمقيد منفصل (قرينة منفصلة)، انكشف لنا مراده الواقعي، وتبين أن قوله الأول كان يعبر عن مراده الفعلي فقط.
ولكن، تبرز المشكلة عندما ۸۲۲۰;نحتمل۸۲۲۱; وجود قرينة منفصلة. وهذا الاحتمال على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون الاحتمال موهوماً، بمعنى أننا فحصنا في مظان العثور على القرينة ولم نعثر عليها. وهنا نحكم بتطابق المراد الفعلي مع المراد الواقعي.
الوجه الثاني: أن يكون احتمال وجود القرينة المنفصلة احتمالاً عقلائياً قائماً. كأن يكون المتكلم قد بيّن مراده الواقعي بقرائنه المنفصلة، ولكن حالت عوامل خارجية دون وصولها إلى المكلفين، مثل طمس معالم تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وما شابه ذلك من عوامل منعت وصول كل ما صدر عنهم.
في هذه الحالة نقول: ما دام احتمال وجود القرينة المنفصلة قائماً وعقلائياً، فإن أقصى ما يثبت للمتكلم هو ظهور في المراد الفعلي فقط، ولا يثبت الظهور في المراد الواقعي. وبذلك يتحقق لدينا تنوع في الظهور: ظهور بالمراد الفعلي قبل مجيء القرينة المنفصلة، وظهور بالمراد الواقعي بعد مجيئها. ولا يُعترض علينا برفض فكرة التنوع في الظهورات، لأننا أسسنا الإطلاق على أنه مدلول التزامي لسياق حالي، والسياقات -كما تقدم- تتنوع وتتعدد.
الإشكالات الواردة والرد عليها
الأستاذ: إلا أنه قد أُورد على هذا الرأي المختار إشكالان:
الإشكال الأول: مفاده أن القول بأن الظهور الواقعي لا ينعقد إلا بالقرينة المنفصلة، مع بقاء احتمال وجودها، يستلزم عدم جواز التمسك بالظهور الإطلاقي ما دام هذا الاحتمال قائماً. فكيف يمكن التمسك بالإطلاق والقرينة المنفصلة هي التي تحدد المراد الواقعي؟ وما دام احتمالها موجوداً، فإن المراد الواقعي لا يتشكل، وبالتالي لا ينعقد الظهور الإطلاقي. وهذا الأمر يخالف سيرة العلماء القائمة على التمسك بالإطلاق حتى مع احتمال مجيء القرينة المنفصلة.
وللإجابة عن هذا الإشكال، يوجد مسلكان للتخلص منه:
الجواب الأول: هو ما ذكره السيد الخوئي (رحمه الله)، حيث يرى أن المقصود من ۸۲۲۰;عدم انعقاد الظهور إلا مع التأكد من القرينة المنفصلة بمجموع الخطابات۸۲۲۱; لا ينصرف إلى مجموع خطاباته المستقبلية؛ لأنه لو كان كذلك، ومع ورود احتمال القرينة المستقبلية، لاستحال التمسك بالظهور.
بل المقصود هو: التأكد في ۸۲۲۰;زمن تطبيق أصالة الظهور۸۲۲۱;. فإذا فحصنا في الزمن الذي يُراد فيه التمسك بالإطلاق ولم نجد قرينة منفصلة، حكمنا بانعقاد الظهور الفعلي. فالقرينة المنفصلة المقطوع بها تكون مكذبة لهذا الظهور، أما القرينة المحتملة في زمن تطبيق أصالة الظهور، فإن انتفت بعد الفحص، انعقد الظهور.
وليس المدار على عمود الزمن والمستقبل حتى يُقال إن احتمال المجيء وارد في المستقبل، بل المدار على الزمن الذي يُراد التمسك فيه بالإطلاق. وبذلك يندفع الإشكال القائل بمخالفة سيرة العلماء. هذا ما ذكره السيد الخوئي (رحمه الله تعالى).
الطالب: هل يعني ذلك أن الظهور الفعلي يتحقق في زمانه؟
الأستاذ: نعم، يتحقق في الزمن الذي يُراد فيه تطبيق أصالة الظهور؛ فبمجرد الفحص في هذا الزمن وعدم العثور على القرينة، ينعقد الظهور.
الطالب: ولكنه ليس الظهور الواقعي؟
الأستاذ: السيد الخوئي لا يتبنى تقسيم المراد إلى ۸۲۲۰;فعلي قبل القرينة۸۲۲۱; و۸۲۲۱;واقعي بعدها۸۲۲۱;، بل يرى أن الظهور الفعلي ينعقد في الزمن الذي يُراد التمسك به. وقد أورد ذلك في كتابه ۸۲۲۰;مصباح الأصول۸۲۲۱; (المجلد ۴۹، الصفحة ۴۰۰ وما بعدها).
أما السيد الشهيد، فسأنقل عبارته، حيث يقول: ۸۲۲۰;وهناك محاولة من السيد الأستاذ [يقصد السيد الخوئي] ذكرها في الوجه في تقديم العموم على الإطلاق عند التعارض، باعتبار العموم هو أيضاً مقيد، مفادها توقف الدلالة الإطلاقية على عدم التقييد بالمنفصل في مورد الشك في التقييد، من دون أن يبتلي المطلق بالإجمال۸۲۲۱;.
لأنه بناءً على ملاحظة ۸۲۲۰;عمود الزمان۸۲۲۱; سيقع الإجمال. فمحاولة السيد الخوئي تتلخص في أن عدم بيان المقيد -الذي هو جزء من مقدمات الحكمة- إنما هو عدم مطلق التقييد، سواء كان متصلاً أو منفصلاً، ولكن ليس على نحو يكون فيه ۸۲۲۰;عدم القرينة المنفصلة المتأخرة في عمود الزمان۸۲۲۱; شرطاً في انعقاد المطلق المتقدم، حتى يُبتلى المطلق بمحذور الإجمال. بل يكون الظهور الإطلاقي في كل زمان موقوفاً على عدم بيان القيد ۸۲۲۰;إلى ذلك الزمان۸۲۲۱; الذي تريد إجراء الإطلاق فيه.
فعندما يرد الخطاب المطلق ولا توجد قرينة على التقييد، ينعقد بذلك ظهور يكشف بالفعل عن الإطلاق، ويبقى هذا الظهور مستمراً ما لم تأتِ القرينة على التقييد. فإذا جاءت القرينة لاحقاً، ارتفع هذا الظهور، أما قبل مجيئها فهو منعقد، وبذلك يُدفع محذور الإجمال.
إلا أن السيد الشهيد (رحمة الله عليه) لم يقتنع بمحاولة السيد الخوئي، وحاول، كعادته، أن يشقق المطلب للرد عليه.
الأستاذ: لقد انتهى الوقت. هل لديكم درس الآن؟ نلتقي غداً إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد.
أرجو منكم التأمل في إشكال السيد الشهيد على السيد الخوئي، واربطوه بفكرة التعدد بين الظهور الفعلي والظهور الواقعي، وراجعوا ذلك في الصفحة ۱۸۲.
الطالب: سيدنا، ألا يريد السيد الخوئي أيضاً القول بوجود ظهور فعلي وواقعي؟
الأستاذ: هو يغض النظر عن هذا التقسيم، ولكننا -بناءً على دأب العقلاء- نقول إن هناك ظهورين: ظهور فعلي قبل القيد، وظهور واقعي بعده؛ وذلك استناداً إلى النظرية التي طرحناها بأن الإطلاق سياقي. فإذا أخذنا هذا الأمر بعين الاعتبار، سنرى هل إشكال السيد الشهيد في محله أم لا. في الأسبوع القادم إن شاء الله نناقش رأي السيد الخوئي ورأي السيد الشهيد. غداً لدينا درس، فتأملوا في الإشكال.