جلسه ۶
مشروعية السوق الاعتباري الدليل الثاني:التمسك بالدلالة الالتزامية لادلة الامضاء
توضیحات جلسه
مقدمة: الدليل الثاني لإثبات مشروعية السوق الاعتباري
الأستاذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، اللهم صل على محمد وآل محمد.
قلنا إن الدليل الثاني لإثبات مشروعية السوق الاعتباري، هو عبارة عن وجود دلالة التزامية لأدلة الإمضاء، كآية: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. وذكرنا أنه يوجد تقريبان؛ التقريب الأول كان مبنياً على ما يسمى بـ ۸۲۲۰;الإطلاق المقامي۸۲۲۱;، من أن العرف قبل مجيء الشارع كانوا يجرون معاملات مع عناوين اعتبارية، كعنوان المعبد، وعنوان الكعبة المشرفة. فبعد مجيء هذه الآيات، لو كان للشارع رأي في ذلك، وأن المعاملات تتم فقط بين الأشخاص، لكان على الشارع أن يبين ذلك. فيُفهم من عدم البيان، أنه أوكل أمر البيع بيد العرف، والعرف لا يفرق فيه بين البيع الشخصي وبيع العناوين. هذا ما يسمى، كما قلنا، بالإطلاق المقامي.
التقريب الثاني ومقدماته الثلاث
الأستاذ: التقريب الثاني حتى يظهر، قلنا لا بد أن نتحدث عن أمور ثلاثة؛ لأن التقريب الثاني مركب من مقدمات ثلاث، فيتوقف على أمور ثلاثة:
الأمر الأول: تشخيص معاني الألفاظ بيد العرف. فما يفهمه العرف من هذا المدلول -وطبعاً أتحدث عن العناوين الاعتبارية، أما العناوين الشرعية، فالشارع هو الذي حينما يتحدث عن الصلاة، هو من يُفهمنا ما هو معنى الصلاة- فمعنى الألفاظ بيد العرف، وهذا ما يسمى ببحث حجية الظواهر، أي ظواهر اللفظ.
الأمر الثاني: تشخيص الموضوعات أيضاً بيد العرف. كما لو أمر الشارع بأن الرجل الشاك بين الركعة الأولى والثانية يعيد صلاته، ما معنى ۸۲۲۰;الرجل۸۲۲۱; هنا؟ تشخيص هذا الموضوع، ومقصود ۸۲۲۰;الرجل۸۲۲۱; هنا هو المكلَّف، الأعم منه ومن المرأة، وذلك بحسب المناسبات، أو بحسب إلغاء الخصوصية، أو ما شاكل ذلك. فتشخيص موضوع النص بيد العرف.
الأمر الثالث: تطبيق مصاديق هذا الموضوع. تطبيق المصاديق بيد مَن أيضاً؟ هل هو بيد الشارع؟ أم بيد العرف؟ أم بيد العقل؟ تشخيص المصاديق؛ قلنا إذا كانت الموضوعات اعتبارية فالصحيح أنها بيد العرف أيضاً. وإن كانت الموضوعات تكوينية، فهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، لكن المشهور أن العناوين التكوينية تطبيق مصاديقها على الخارج هو بيد الشارع لا بيد العرف. أما العناوين الاعتبارية، فلا، هي بيد العرف أيضاً.
هذه حالات وأمور ثلاثة: تشخيص معاني الألفاظ، وتشخيص الموضوعات، وتطبيق هذه الموضوعات على المصاديق هي بيد العرف. والجامع طبعاً بين هذه المعاني الثلاثة عادة، هي المعاني الاعتبارية كالبيع وما شاكل ذلك. إذا اتضح ذلك، يتضح عندنا التقريب الثاني المركب من مقدمات ثلاث:
المقدمة الأولى: تشخيص الموضوع
الأستاذ: تشخيص الموضوع هنا، معنى البيع نحن لا نحتاج لتوضيحه لأن معنى البيع واضح، البيع العرفي واضح. تشخيص الموضوع بيد العرف؛ فحينما يقول الله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، أي بيع عند العرف؟ كلمة البيع عند العرف، العرف يفهم معنى البيع؛ فالبيع الشخصي يسمى بيعاً (يعني شخص يبيع لشخص)، وأيضاً البيع للعنوان يسمى بيعاً. ما دام تشخيص الموضوع بيد العرف، فلو كان للشارع موقف خاص به، أي لو كان يقول: إن البيوع لا تتحقق إلا مع الأشخاص، وهو في مقام البيان، لكان عليه أن ينبه على ذلك. فما دام لم ينبه، فقد أوكل فهم موضوع البيع بيد العرف، والعرف لا يفرق فيه بين البيع الشخصي وبيع العناوين. هذا أولاً.
المقدمة الثانية: تشخيص المصاديق
الأستاذ: المقدمة الثانية هي تشخيص الموضوع العرفي على مصاديقه. قلنا ما دام العنوان عنواناً اعتبارياً، فهذا التشخيص أيضاً بيد العرف. فالعرف أيضاً يفهم من معنى كلمة البيع هذا كعنوان له مصاديق، وواحد من هذه المصاديق هو البيع على العناوين. فتشخيص مصاديق البيع إذاً هو أيضاً بيد العرف. والعرف لا يفرق عنده بين المصداق الخارجي الشخصي وبين المصداق العنواني الاعتباري. فالبورصة تُبنى على هذا الأمر، السوق في البورصة وإن كان سوقاً اعتبارياً وليس سوقاً حقيقياً، لكنها مشمولة لعنوان البيع، لأن تطبيق معنى البيع على مصاديقه بيد العرف، فالبيع لا يختص بالبيع الشخصي، بل هذا المصداق يشمل حتى مصداقاً آخر وهو البيع الاعتباري.
نقاش حول القيود الشرعية والعرفية للبيع
الطالب: شيخنا، ألا يحصل لدى هذا العرف تردد في قضية البورصة؟ أعني، ألا يفرق بينها وبين السوق الحقيقي؟ أليس الشارع قد قيد البيع، مثلاً، ببعض القيود من الناحية الشرعية؟ ألا يتردد العرف بين الحقائق؟
الأستاذ: هذه القيود التي عرضت على البيع، ليست قيوداً راجعة إلى ذات وماهية البيع، وإنما هي راجعة إلى أمور زائدة على البيع. لماذا؟ لأن البيع عند العرف -أي إنسان عرفي تسأله: ما معنى البيع؟- سيقول: هو نقل المثمن مقابل الثمن، التزام مقابل التزام.
نأتي إلى الشارع حينما أضاف قيوداً -وطبعاً الشارع لم يترك الأمر- أضاف قيوداً فقال: لا بد من البلوغ، ولا بد من معلومية العوضين، وهكذا. هل هذه القيود قيود زائدة على المعنى العرفي؟ نأتي إلى العرف فنسألهم: ماذا تعتبرون هذه القيود؟ هل هي داخلة في ذات وماهية البيع؟ يقولون: البيع واضح عندنا، هو عبارة عن المعاوضة، هو عبارة عن إنشاء تمليك عين بمال، أما اعتبار أن يكون المتعاقدان مثلاً بالغين، أو المعلومية، أو العربية، أو الماضوية، أو ما شاكل ذلك، فيقولون: هذه أمور زائدة على العقد، على عقد البيع. نحن لا نفهم أن البيع عبارة عن اللغة العربية، أو عن اعتبار التنجيز (أن يكون العقد منجزاً ولا يكون معلقاً)، لا نفهم أن البيع عبارة عن ألفاظ صريحة. حقيقة البيع واضحة عندنا، وهذه أشياء طارئة على البيع، إن دل عليها دليل صحيح واضح، قيدنا البيع الواضح بهذا. وإن لم يدل عليها دليل صحيح (يعني صرنا نشك)، فيمكن أن نلغيها بالإطلاق. الشارع قال: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وشككنا: هل لا بد من الموالاة بين الإيجاب والقبول؟ هل لا بد من ألفاظ صريحة؟ وهكذا تطول القائمة، فمن خلال الإطلاق ننفي هذه القيود الزائدة. لماذا؟ لأن العرف يقولون: إن حقيقة البيع هي المبادلة وربط قرار بقرار، وهذه الأشياء هي زائدة على حقيقة البيع وليست جوهر حقيقة البيع، وقد أضافها الشارع لأن البيع معنى عرفي متلقى عند العرف قبل أن يأتي الشارع. الشارع لم يغير حقيقة البيع.
مثلاً، الآن قد يقال: الحيض هو معنى عرفي، الشارع حينما دخل على الخط كيف تعامل مع الحيض؟ لقد ألغى حقيقة الحيض عند العرف، وجعله ثلاثة أيام -والعرف لا يفهم معنى الثلاثة أيام- وجعله مثلاً أن لا يزيد على العشرة -والعرف أيضاً لا يفهم هذا المعنى- كذلك جعله أن يكون متوالياً لا توجد فيه انفصالات واضحة، وهكذا بعض شروط الاستبراء وما شاكل ذلك. قد يقال إن هذا التدخل ألغى المعنى العرفي للحيض. أما في البيع، فلا، لم يتدخل الشارع هذا التدخل الإلغائي، وإنما تدخله كان إضافياً، مجرد إضافة قيود.
فالمقدمة الثانية إذاً؛ هي تشخيص مصاديق هذا الموضوع (الذي هو البيع) على مصاديقه، وهو أيضاً بيد العرف، والعرف يقول: هذا مصداق، والعنوان الاعتباري أيضاً مصداق.
المقدمة الثالثة: إثبات ملكية العناوين الاعتبارية
الأستاذ: المقدمة الثالثة وهي المهمة: الآن إذا كان السوق الاعتباري بيعاً، لأن تشخيص المصاديق بيد العرف، فلا بد أن نثبت ملكية هذا العنوان الاعتباري. يعني لا بد أن نثبت ملكية نفس البورصة، لا ملكية ما يجري في البورصة. نحن الآن لا نريد أن نتحدث عن المعاملات اللاحقة لهذا السوق، بل نتحدث عن نفس السوق، ملكية نفس البورصة، لا ما يجري في البورصة.
ملكية هذه العناوين؛ إثبات أن هذه العناوين الاعتبارية مالكة، كعنوان المسجد، وعنوان الفقراء، وعنوان الدولة، كل هذه عناوين اعتبارية، وعنوان السوق. هذه عناوين اعتبارية، فهل هذه العناوين الاعتبارية مالكة أيضاً؟ نقول: نعم، ما دامت قد ثبتت مشروعية هذه العناوين الاعتبارية من خلال تطبيق العرف لعنوان البيع على هذه المصاديق، والشارع من الواضح أنه قد قَبِل بهذا التطبيق، فيلزم من مشروعية هذه العناوين الاعتبارية أن يلزم منها ملكيتها، فتكون مالكة. إذ لو لم تكن مالكة، فما فائدة المشروعية؟ فكما يملك أحدنا بعض الأموال، كذلك السوق نتعامل معه معاملة المالك.
خلاصة التقريب الثاني
الأستاذ: فالخلاصة: الشارع خاطب العرف ببعض البيانات من قبيل: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، والعرف في مرتبة سابقة يفهم موضوع البيع، وأيضاً يفهم تشخيص هذا الموضوع على مصاديقه. فلو كان للشارع رأي خاص في معنى البيع وفي تشخيص الموضوع، وأيضاً له رأي خاص في تطبيق هذا الموضوع على مصاديقه، لكان على الشارع أن يبين ذلك. فمعنى عدم البيان، يعني أن ما يفهمه العرف من معنى البيع وما يفهمه العرف من تطبيق هذا البيع على مصاديقه -حتى ولو كانت هذه المصاديق اعتبارية كسوق البورصة- هو فهم صحيح ومُمضى بآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فينعقد مدلول التزامي، وهذا هو معنى الدلالة الالتزامية لآيات الإمضاء.
نعم، لو كان هناك فقيه يعتقد -وبعض الفقهاء أيضاً، يوجد من يعتقد منهم- أن البيع الذي أمضاه الشارع هو البيع المتداول عند الناس، يعني البيع الشائع عند الناس. ومن الواضح مَن هو البيع الشائع عند الناس؟ هو البيع الشخصي لشخص. أما بيع العناوين فهو بيع غير متداول. فإثبات أن عنوان البيع يشمل هذا العنوان الاعتباري، سيكون تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية. لأن عنوان البيع ما هو مصداقه الحقيقي المتعارف المتداول؟ هو البيع الشخصي، شخص يبيع لشخص. أما البيع للعناوين فهو بيع غير متعارف. فتطبيق هذا الموضوع على هذا المصداق قبل إحرازه وتقول ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وهذا أيضاً بيع، هذا يُعد تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية. ولكن من الواضح أن هذا الرأي ضعيف لأنه يعاني من مشاكل عديدة أشرت إليها في بحث المصارف.
نقاش حول بيع العناوين في الروايات
الطالب: شيخنا، هل ذكرتم أن البيع للكعبة كان موجوداً؟
الأستاذ: لا، على نحو الشيوع، حتى لو كان فرداً نادراً أو ما شابه، فإن الشارع لم يمنعه. ولكن البيع المتعارف الآن، نعم، يصبح قرينة منصرفة تصرف الإطلاق.
الطالب: ألم تدل الروايات، شيخنا، على بيع العناوين؟
الأستاذ: لا، بهذا العنوان ليس لدينا روايات، لو كان لدينا روايات لكنا قد انتهينا من هذه المشكلة كلها.
الإشكالات الواردة على الإطلاق المقامي (تمهيد للدرس القادم)
الأستاذ: هذا يا إخوان هو التقريب الثاني. إذاً، التقريب الأول كان يعتمد مباشرة على الإطلاق المقامي بسهولة؛ الشارع أمرنا بالبيع ولو بالأمر الإرشادي، فلو كان الشارع يرى للبيع صورة خاصة تختلف عن العرف لبينها، فهذه الإحالة إلى العرف تعني إمضاءها بموجب الإطلاق المقامي. التقريب الثاني كان متوقفاً على أمور ثلاثة، ثم بعد ذلك رتبنا مقدمات ثلاث، وانتهينا إلى نفس تقريب الإطلاق المقامي هذا.
إلا أن الدليل الثاني، وهو الدلالة الالتزامية لأدلة الإمضاء، قد يُشكل عليه بإشكالات عديدة. الإشكال الأول -حتى تفكروا فيه للدرس القادم-:
الإطلاق المقامي متعذر تطبيقه في المقام وفي غير المقام، لماذا؟ لأن فكرة الإطلاق المقامي مبنية على أنه لو كان للشارع رأي خاص لكان عليه أن يبين، فمعنى ذلك أنه أحال الأمر إلى الفهم العرفي لعدم وجود بيان من الشارع. لقد أشكلوا بهذا الإشكال: هل كل بيانات الشارع وصلت إلينا؟ حتى نقول: إنه إذا لم يبين في مورد ما، فهو إذاً قد قَبِل بالعرف؟ وبما أنه لا يدعي أحد بأن كل بيانات الشارع قد وصلت إلينا، فلا يمكن إذاً التمسك بالإطلاق المقامي. ولا يختص الإطلاق المقامي هنا، بل في كل مجالات الإطلاقات المقامية المبنية على عدم بيان الشارع والذي يكشف عن أن الشارع قد أحال الأمر إلى العرف.
مَن قال إن الشارع لم يبين؟ لعله شارع قد ردع عن البيع للعناوين الاعتبارية، أهذا ممكن أم غير ممكن؟ ممكن. وبالتالي، مع احتمال وجود بيان من قِبل الشارع (أو احتمال بيان يعني تخصيصاً بأن الشارع لم يقبل البيوع الاعتبارية)، فكيف نتمسك بالإطلاق المقامي؟ ستقول لي: حسناً، إذا شككنا في التقييد فالأصل هو العدم؟ كما لو شككنا في الإطلاق اللفظي باحتمال وجود مقيد، فالأصل هو الإطلاق. فلماذا تم التوقف هنا، إذا شككنا في الإطلاق المقامي لاحتمال وجود مقيد لم يصل إلينا؟
هذه هي فكرة الإطلاق المقامي؛ إنها تتأثر بوجود المقيد، بخلاف الإطلاق اللفظي الذي لا يتأثر بوجود المقيد. وهذه النقطة أيضاً كنا نحتاج إلى توضيح لها: لماذا الإطلاقات المقامية تتأثر بينما الإطلاقات اللفظية لا؟
المهم، اجعلوا هذا الإشكال في أذهانكم، وإن شاء الله جوابه سيكون ليوم السبت، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد.